فصل: تفسير الآيات رقم (88- 89)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 27‏]‏

‏{‏يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏26‏)‏ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

الريش‏:‏ اللباس الفاخر، وما يتزين به لباس التقوى‏:‏ هو الطاعة والعمل الصالح والتقوى بما امر الله‏.‏ الفتنة، الابتلاء والاختبار القبيل‏:‏ الجماعة‏.‏

بعد ان ذكر الله تعالى خبر آدم وحواء والشيطان، وإبعادهم جميعاً إلى الأرض، وذكر ان الشيطان عدو لهما- بيّن هنا أنه انعم على آدم ونسله بأن خلق لهم كلِّ ما يحتاجونه من اللباس والطعام، وأن خير لباس يتزيّن به الإنسان هو تقوى الله‏.‏ لذلك حذّرهم من الشيطان وفتنته بوسائله الكثيرة وأتباعه المتنوّعين‏.‏

هنا نادى الله بني آدم وامتنّ عليهم بما أنعم عليم من اللباس على اختلاف انواعه، وقال لهم‏:‏ لقد خَلقنا لكم، ملابس تستر عوارتِكم، وموادّ تتزينون بها، لكن الطاعةَ والتقوى خير لباس يقيكم العذاب فتجمّلوا بها وتلك النعم من الآيات الدالة على قدرة الله، وعلى رحمته، ليتذكر الناس بها عظمته وأنه وحده يستحق الالوهية وتلك القصة من سُنن الله الكونية التي تبيّين جزاءَ مخالفة أمرِ الله فيتذكر بها الناس ويحرِصُون على طاعة ربهم‏.‏ وهذا معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك خَيْرٌ ذلك مِنْ آيَاتِ الله لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏يا بني آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الجنة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

يا بني آدم لا تستجيبوا للشيطان ولا تغفلوا عن محاولته خداعكم وايقاعكم في المعاصي، فتخرجوا من هذه النعم التي لا تدوم بالشكر والطاعة‏.‏ إياكم أن تفعلوا كما فعل أبواكم آدمُ وحواء، فأخرجهما الشيطان من النعيم والكرامة‏.‏ انه يأتيكم وأعوانُه بوسائل متعددة، حيث لا تشعرون بهم، ولا تُحسّون بأسليبهم ومكرهم‏.‏ وليس للشيطان سلطانٌ على المؤمنين، إذ جعلناه وأعوانه أولياءَ للّذين لا يؤمنون إيماناً صادقاً، فهم اتباعه وجنوده‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ نافع وابن عامر والكسائي «ولباس التقوى» بالنصب، والباقون بالرفع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 30‏]‏

‏{‏وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏28‏)‏ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ‏(‏29‏)‏ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

الفاحشة والفحشاء‏:‏ ما عظم قبحه من الافعال القسط‏:‏ الاعتدال في جميع الامور اقامة الشيء‏:‏ اعطاؤه حقه وتوفيته شروطه اقيموا وجوهكم‏:‏ اعطوا توجهكم الى الله حقه‏.‏

بعد ان بيّن الله حالة الشياطين وأنهم قرناء للعاصين مسلَّطون عليهم- ذكر هنا أثر ذلك التسلط، وهو الطاعةُ لهم في أقبحِ الأشياء مع عدم شعورهم بذلك القبح‏.‏ لذا فإنهم يقولون‏:‏ إنّنا نقلّد آباءَنا والله أمَرَنا بذلك‏.‏

وسببُ ذلك أن العرب ما عدا قريشاً كانوا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها من قبلُ، ويقولون‏:‏ لا نطوف في ثيابٍ عَصينا فيها‏.‏ وكانت قريش فقط تطوف في ثيابها، ومن اعراه قريشيُّ ثوباً طاف فيه، ومن كان معه ثوبٌ جديد طاف فيه ثم يلقيه، ومن لم يجد ثوباً طاف عريانَ‏.‏ كان هذا مذهبهم، رجالاً ونساءً، فحرَّم ذلك الإسلام فقال‏:‏

‏{‏وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا‏}‏‏.‏

واذا فعل الذين لا يؤمنون بالله عملا قبيحا لطوافهم في البيت عرايا، وغير ذلك من الامور الباطلة، فلامهم الناس على ذلك، قالوا وجدنا آباءَنا يفعلون كما نفعل، ويسيرون على هذا المنهاج، ونحن بهم مقتدون، والله أمرنا به ورضي عنه حيث أقرّنا عليه‏.‏

وقد ردّ الله على ذلك بقوله‏:‏

‏{‏قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء‏}‏ قل ايها النبيّي منكِراً عليهم افتراءَهم‏:‏ ان الله لا يأمر بهذه الأمور المنكَرة‏.‏

ثم ردّ عليهم أيضا بقوله‏:‏

‏{‏أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ أتنسِبون الى اله ما لا تعلمون انه شَرَعَه لعباده، وليس عندكم دليل على صحة ما تقولون‏!‏‏!‏

وبعد ان أنكر عليهم ان يكونوا على علم بأمر الله فيما فعلوا، بيّن ما يأمر به الله من محاسن الأعمال وكارم الاخلاق بقوله لرسوله‏:‏

‏{‏قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط‏}‏ أي بالعدل، وما لا فُحش فيه‏.‏ وأمركم ان تخصّوه بالعبادة في كل زمانٍ ومان، وان تكونوا مخلِصين له الدينَ، ولا تتوجهوا الى غيره‏.‏

وبعد أن بيّن أصلَ الدين، وأمَرَنا بالتوجّه إليه وحدَه- ذكّرنا بالبعث والجزاء على الاعمال فقال‏:‏

‏{‏كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ‏}‏ أي إنكم أيها البشَر كما بدأ الله خلقَكم وتكوينَكم ستعودون اليه اليوم القيامة، تاركين ما حوله من النِعم وراء ظهوركم‏.‏

‏{‏فَرِيقاً هدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الله وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ‏}‏‏.‏

وسيكون الناس يوم القيامة فريقين‏:‏ فريقاً وفّقه الله لأنه آمن وعمل عملاً صالحا، وفريقاً حكم عليه بالضلالة لأنه اختار طريق الباطل وهؤلاء الضالُّون قد اتّخذوا الشياطينَ أولياء من دون الله فاتَّبعوهم، فضلّوا وهم يظنّون أنهم مهتدون، لاغترارهم بخداع الشياطين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 32‏]‏

‏{‏يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ‏(‏31‏)‏ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

الزنية كل شيء يَزينُ الإنسانَ من لباس طيب وغيره‏.‏ الاسراف‏:‏ تجاوز الحد وعدم الاعتدال في المأكل والمشرب وصرفُ الاموال في غير موضعها‏.‏

في هاتين الايتين تأكيدٌ على ستر العورة، والتزُّين والتجمُّل عند كل صلاة‏:‏ فاللهُ سبحانه بعد أن أمر بالعدل في كل الأمور- أكّد هنا بنداء إلى بين آدم‏:‏ خُذوا زينتكم من الثياب الحسنة، مع الخشوعِ والتقوى عند كل مكان للصلاة، وفي كل وقتٍ تُؤَدون فيه العبادة‏.‏ ثم إنه أمَرَنَا بالاعتدال في الأكل والشرب، وأن لا نتجاوز الحدّ المعقول‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين‏}‏ لأن الإسراف في المطعَم يُضِرّ بالصحة، والإسراف في المال يؤدّي الى الفقر، وبذلك يجني المرء على أُسرته، ومن ثم على وطنِه حين يغدو عالةً على المجتمع‏.‏

والتزيُّن للعبادة عند كل مسجد وِفق عُرف الناس في تزينّهم في المجتمعات والمحافل، أمرٌ مطلوب شرعاً، لكيون المؤمن في أجمل حال عندما يقف بين يدي ربه، او في أيّ اجتماع‏.‏ وهو أصلٌ من الأصول الدينية والمدنيّة عند المسلمين‏.‏ وقد كان سبباً في تعليم القبائل البدائية، والاوساط المتأخرة في إفريقية وغيرها من الامم التي تعيش عراةَ الأجسام رجالا ونساء‏.‏ وكان هذا من فضل الاسلام، الذي نقل امما وشعوبا من الوحشية الى الحضارة الراقية‏.‏

وقد روى النَّسائي وابنُ ماجه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال «كُلُوا وشرابوا وتصدَّقوا والبَسوا في غير مَخيِلَةٍ ولا سَرَف، فإن الله يحبّ ان يرى أثَرَ نِعمه على عبده»‏.‏ ومعنى «مخيلة» كِبر وإعجاب بالنفقس‏.‏

‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

قل لهم يا محمد، منكراً عليهم افتراءَ التحليل والتحريم على الله‏:‏ من الذي حرَّم زينةَ الله التي خلَقها لعباده‏؟‏ ومن الذي حرم الحلالَ الطيبَ من الرزق‏؟‏ وقل لهم‏:‏ إن الطيّبات نعمةٌ من الله، ما كان ينبغي ان يتمتع بها إلا الّين آمنوا في الدينا، لأنهم يؤدون حقّها بالشُّكر ولاطاعة، لكن رحمةَ الله الواسعة شملتْ جميع عباده الطائعين والعاصين في الدينا اما في الآخرة فسوف تكون النعم خالصة للمؤمنين وحدهم‏.‏

روى ابو داود عن ابي الأحوص قال‏:‏ «اتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب دون، فقال‏:‏» ألَكَ مال‏؟‏ قلت‏:‏ نعم، قال‏:‏ من أيّ المال‏؟‏ قلت‏:‏ قد آتانّي اللهُ من الإبل والغنم والخيل والرقيق‏.‏ قال‏:‏ فإذا آتاك الله فَلْيَرَ أثَرَ نِعمته عليك وكرامته لك «‏.‏

‏{‏كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

ان هذا التفصيلَ لِحُكم الزينة والطيبات من الرزق الذي ضلَّ فيه كثير من الأمم والأفراد، ما بين إفراط وتفريط، انما جاء في كتابنا هذا أيها الرسول، لِقومٍ يدركون ان الله وحدَه مالكُ الملك، بيده التحليل والتحريم‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ نافع» خالصةٌ «بالرفع، والباقون» خالصة «بالنصب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

السلطان‏:‏ الحجة الفواحش‏:‏ واحدها فاحشة، كل ما يقبُح علمه الاثم‏:‏ الذنب يشكل جميع المعاصي البغي‏:‏ تجاوز الحد، الظلم‏.‏

بعد أن أنكر الله فعلَ من حرمّ زينةَ الله التي أخرجها لعباده والطّيبات من الرزق- بيّن هنا أصولا لمحرّرمات، حتى يعلمَ الناسُ انه لم يحرّم عليم إلا ما هو ضارٌّ لهم‏.‏ فقلْ ايها الرسول لِلْذين افتروا على الله الكذب‏:‏ إنما حرّم ربي هذه الأمورَ التسة، لما لها من ضرر شديد وخطر عظيم على الأُمم وهي‏:‏

1، 2- الفواحشُ، الظاهرة والباطنة، من الأعمال المتجاوِزة لحدود الله‏.‏

3- الإثم‏:‏ وهو كل معصية لله أياً كان نوعها‏.‏

4- البغي بغير الحق، وهو الظلم الذي فيه اعتداءٌ على حقوق الأفراد والجماعات‏.‏

5- الشِرك بالله وهو أقبح الفواحش‏.‏

6- ‏{‏وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ أي تفتروا عليه سبحانَه بالكذِب في التحليل والتحريم بغيرِ علمٍ ولا يقين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏34‏]‏

‏{‏وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ‏(‏34‏)‏‏}‏

الامة‏:‏ الجماعة الأجل‏:‏ مدة الشيء ووقته الساعة‏:‏ الوقت القصير‏.‏

بعد ان بيّن تعالى المحرمات على بني آدم، ذكر هنا حال الأمم وأنها مهما طال امها فانها ذاهبة، ‏{‏وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ‏}‏ اي أمدٌ ونهاية معلومة ‏{‏فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ فاذا جاء ذلك الوقت الّذي وقَّته الله لنهايتهم- ذهبوا، لا يتأخّرون عنه ولا يتقدّمون حتى وقتاً قصيرا‏.‏

والأجلُ المضروب إما أجَلُ كل جيل من الناس بالموت المعروف الذي يُنهي الحياة، واما أجلُ كل أمةٍ من الأمم بمعنى الأمدِ المقدَّر لقوّتها في الارض‏.‏ وسواء كان المعنّى هذا الأجَل أو ذلك فإنه مرسوم محدَّد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 36‏]‏

‏{‏يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏35‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

بعد أن بيّن سبحانه بوضوح أن لكِ أُمةٍ أجلاً لا تعدوه، خاطب الناس يجمعا بأنه يرسِل الرسُل الى لاناس كي يبيّنوا لهم اصول الدين‏.‏

يا بني آدم‏:‏ إن يأتِكم رسُلٌ من أبناء جنسكم من البشر ليبلّغوكم آياتي التي أوحيتُها لهم، كنتم فريقين‏:‏ فالّذين يؤمنون ويعملون لاصالحاتِ لا خوفٌ عليهم من عذاب الآخرة ولا هم يحزَنون في ديناهم واخراهم‏.‏

اما الّذين يكذّبون اولئك الرسُل، ويستكبرون عن اتّباع الآيات فأولئك أهلُ النار، يخلُدون فيها بادا، لأن التكذيبَ للرسل والاستكبار عن الانقياد لله يُلحِق المستكبرين بوليّهم إبليس في النار‏:‏ حيث خاطبه ربّه‏:‏ ‏{‏لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 18‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 39‏]‏

‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ‏(‏37‏)‏ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏38‏)‏ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ‏(‏39‏)‏‏}‏

في هذه الآيات يصوّر الله تعالى حال الكفار‏:‏

أولاً‏:‏ عند احتضارهم يوم الموت، فيقول‏:‏ إن من اشدِّ الناس ظُلماً أولئك الّذي يفترون على الله الكذب أو يكذّبون بآيات الله‏.‏ كيف تأييهم رسُل الله لقبض أرواحهم‏!‏‏.‏

ثم يأتي المشهد الثاني يوم القيامة حيث يدخلون جهنم‏.‏ كيف يلعن بعضهم بعضاً عندما يتقابلون، وكيف يطلبون العذاب المضاعف‏!‏

قراءات‏:‏

قرأ الجمهور‏:‏ «لا تعلمون» بالتاء، وقرأ ابو بكر عن عاصم‏:‏ «لا يعلمون» بالياء‏.‏

‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

لا أحدّ أظلمُ من الذين يفترون الكذبَ على الله، بنسبة الشريك والولد إليه، وادّعاء التحلي والتحريم من غير حُجة، او يكذّبون بآيات الله المُوحى بها فيكتبه أولئك ينالون في الدنيا نصيباً مما قُدّر لهم من الرزق والحياة، حتى اذا جاءهم ملائكة الموت، قال لهم الملائكةُ موبخين إياهم‏:‏ أين الشركاءُ الّذين كنتم تعبُدون في الدنيا من دون الله‏!‏ دعوهم يدرأون عنكم الموت‏؟‏ فيقولون‏:‏ لقد بترّأوا منّا وغابوا عنّا‏.‏ ونحن نشهد على أنفسنا أننا كنّا بعبادتنا لهم في ضلال ظاهر‏.‏

‏{‏قَالَ ادخلوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

يومئذ يقول الله لهؤلاء الكفار‏:‏ ادخلوا النار منع أممِ من كفّار الجن والإنس، قد مضَت من قبلكم، كلما دخلت جماعةٌ النار ورأت ما حلّ بها من الخِزي لَعَنَتْ سابِقتَها التي اتّخذتها قُدوة لها‏.‏ حتى اذا تتاعبوا فيها مجتمعين، قال التابعون يذمُّون المتبوعين‏:‏ ربّنا هؤلاء أضلّونا بتقلِيدِنا لهم، وبتسلُّطهم علينا‏.‏ إنهم هم الذين صرَفونا عنا لحق، فعاقبّهم عقاباً مضاعفا‏.‏ وهنا يردّ صاحب العزّة والجلال‏:‏ لكلٍ منكم عذابٌ مضاعَف، لا ينجو منه أحد، ولا تعلمون شدّته ولا مداه‏.‏

‏{‏وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

إذ ذاك يقول المتبوعون للتابعين‏:‏ إذا كان الأمر كما ذكرتم من أنا أضلَلْناكم فما كان لكنم علينا أدنى فضلٍ تطلُبون به ان يكون عذابُكم دون عذابنا‏.‏

فيقول الله لهم جيمعاً‏:‏ ذوقوا العذابَ الّذي استوجَبْتُموه بما كنتم تقترفون من كفرٍ وعصيان‏.‏

وبهذا ينتهي ذلك المشهد الأليم، ليتبعه تقريرٌ وتوكيد لهذا المصير المؤلم الذي لن يتبدل بقوله تعالى ‏{‏إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 41‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ‏(‏40‏)‏ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

الآيات ‏(‏هنا‏)‏ الآيات الدالة على أصول الدين وأحكام الشرع‏.‏

الجمل‏:‏ الحيوان المعروف‏.‏ سم الخيا «ثقب الابرة‏.‏ يلج‏:‏ يدخل المجرمين‏:‏ المفسدين المذنبين، وأصل الجرم القطعُ، والجرم الذنب‏.‏ المهاد‏:‏ الفراش الغواشي‏:‏ الاغطية، وكل ما يستر ويغطي، والمعنى ان النار محيطة بهم من كل جهة‏.‏

في هاتين الآيتين تتمةُ ما سلَفَ من وعيد الكفار وجزاء المكذّبين‏.‏

ان الذين كذّبوا بآياتنا المنزَلَة في الكتُب، ولم يتّبعوا رسُلنا، بل تكبّروا عن التصديق بما جاءوا به ولم يتوبوا- ميؤوس من قبول أعمالهم، ومن المستحيل ان يدخُلوا الجنة، كاستحالة دخول الجمل في ثُقب الإبرة‏.‏

‏{‏وكذلك نَجْزِي المجرمين‏}‏‏.‏

على هذا النحو من العقاب نعاقبُ المرجمين المكذِّبين والمستكبرين من كل أُمة‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابو عمرو‏:‏ لا تُفْتَحُ بالتخفيف وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ لا يُفْتَحُ بالياء‏.‏

‏{‏لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

إنّ لهم في جهنم فراشاً من نار، وأغطيةً من نار، أي أن النار محيطة بهم مطبِقة عليهم كما جاء في كثير من الآيات ‏{‏إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ‏}‏ وهذا جزاء الظالمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏42- 43‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏42‏)‏ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

وُسْعها‏:‏ ما تقدر عليه نزعنا ما في صدروهم‏:‏ أخرجنا من نفوسهم كل حقد الغل‏:‏ الحقد من عداوة او حسد‏.‏ أورثتموها‏:‏ صارت اليكم كما يصير الميراث الى أهله‏.‏

يعرض الله تعالى هنا المشهدَ المقابل، وهو حال المؤمنين وما يلاقونه يوم القيامة من نعيم، وكيف يُذهِب من صدروهم كلَّ حقدٍ وغل، فيحمَدون الله على نِعمه وما أورثهم من جنات‏.‏ وتلك طريقة القرآن الكريم، وهذا منهجه الحكيم‏.‏

والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة التي لم نكّلفهم إى ما يُطيقونه منها، هم اهل الجنة يتنعّمون فيها، خالدين فيها ابدا‏.‏

لقد أخرجْنا ما كان من صدورهم من حقد، فهم اليوم في الجنة، إخوان متحابّون- وهذا بخلاف الكّفار الّذين يلعن بعضُهم بعضا- تجري من تحتهم الأنهار بمائها العذب، ويعبّرون عن رسورهم بما نالوا من النعيم قائلين‏:‏ الحمدُ لله الّذي هدانا فدلَّنا على طريق هذا النعيم، ووفّقنا الى سلوكه ولولا أن هدانا الله، بإرسال الرسل وتوفيه لنا، ما كان في استطاعتِنا ان نهتدي وحدنا‏.‏ لقد جاءت رُسل ربّنا بالوحي الحق فآمنّا برسالاتهم‏.‏

وهنا يناديهم ربهم ويقول لهم‏:‏ إن هذه الجنةَ هبةٌ من الله أُعطيتموهما فضلاً مني دون عوض منكم، كالميراث، كل هذا جزاء إيمانكم واعمالكم الصالحة في الدنيا‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن عامر‏:‏ «ما كنا لنهتدي» بدون واو والباقون وما كنا لنهتدي‏.‏

روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخّدري وأبي هريرة رضي الله عنهما، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ، ينادي منادٍ، إن لكم ان تَصِحُّوا فلا تَسْقموا أبدا، وإن لكم ان تَحيوا فلا تموتوا أبدا، وان لكنم ان تَشُبّوا فلا تهرَموا أبدا، وإن لكم أن تَنْعَموا فلا تيأسوا ابدا»‏.‏

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «سَدِّدوا وقاربوا وأبشِروا، فإنه لا يُدخِل أحداً الجنةَ عملُه» قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله‏؟‏ قال «ولا أنا، إلا أن يتغمّدَني الله بمغفرٍة ورحمة»‏.‏

سدِّوا وقاربوا‏:‏ لا تغْلوا في دينكم، ولا تتكلفوا من العمل ما لا طاقة لكم به‏.‏

وهذا الحديث تنبيهٌ من النبي الكريم لنا حتى لا نغترَّ بأنفُسِنا وبأعمالنا فنتلّكلَ عليها كما يفعل كثير من المتدينين‏.‏ فنارهم يشمخون بانوفهم، ويتعالون على غيرهم، وهذا ليس من الاسلام‏.‏

ومعنى الحديث‏:‏ إن هذا الجزاءَ الذيَ يحصَل عليه الطائعُ ليس بَدَلاً مماثلاً لطاعتهن وليس جزاء مساوياً كالشأن بين البدَلَين، وان كانت الطاعة هي التي اوجبتْه‏.‏ لذا فإنه لن يدخلَ أحدُكم الجنةَ بعملٍ يساوي ما فيها من النعيم ففضلُ الله عظيمٌ سابغ باعتبار جعلِه الجنةَ بَدَلاً من عمل محدود لا يقابلها في ذاته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 45‏]‏

‏{‏وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ‏(‏44‏)‏ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

الوعد‏:‏ خاص بالخير وعده بخير، وأوعده بالشر فأذن مؤذن‏:‏ المراد به هنا رفع الصوت بالاعلام بالشيء‏.‏ اللعنة‏:‏ الطرد والابعاد يصدون عن سبيل الله‏:‏ يعرضون يبغونها عوجا‏:‏ يريدون ان تكون الطريق معوجة، أي بالضلال والإضلال‏.‏

بعد أن ذكر الله وعيدَ الكفار وثواب أهلِ الإيمان بيّن ما يكون بين الفريقَين‏:‏ فريق أهل الجنة، وفريق أهل النار، من المناظرة والحِوار بعد ان يستقرّ كلُّ منهما في داره‏.‏ ولا يقتضي هذا الحوارُ والتخاطب قُرب المكانب على ما هو معهود في الجنيا، فعالَمُ الآخرة عالَمٌ مختلِف كل الاختلاف فيجوز أن يكونَ بين الجنة والنار آلافُ لأميال او اكثر، ومع ذلك يمكن للفريقَين ان يروا بعضَهم، ويسمعوا كلام بعضٍ بحالٍ لا ينَعْلَمُه، وبطريقةٍ تختلف كل الاختلاف عن حالِنا وعالمنا‏.‏

‏{‏ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

ونادى اهل الجنة النار قائلين‏:‏ قد وجدْنا ما وَعدَنا ربُّنا من الثواب حقّاً، فهل وجدتُم أنتم مثل ذلك في العذاب حقا‏؟‏ فأجابوهم‏:‏ نعم، قد وجَدْنا ما أوعدَنا به ربُّنا حقّا كما بلَّغنا إياه على ألسنةِ الرسل فنادى منادٍ بين أهل الجنة وأهل النار قائلا‏:‏ إن الطردَ من رحمة الله هو جزاءُ الظالمين لأنفهسم، الجانِين عليها بالكفر والضلال‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن كثير، وابن عامر وحمزة والكسائي‏:‏ «أنَّ لعنةَ الله»‏.‏ بالتشديد وقرأ نافع وابو عمرو وعاصم‏:‏ أنْ لعنةُ اللهِ باسكان النون ان، ورفع لعنة‏.‏

‏{‏الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

إنهم همُ الّذين يُعرِضون عن سبيل الله ويمنعون الناسَ عن السَّير في الطريق السويّ، وهو الايمان والعمل الصالح، ويبغون الطريق المعوجّة الضالَة المضلة‏.‏

‏{‏وَهُمْ بالآخرة كَافِرُونَ‏}‏‏.‏

وهم منكرِون للبعث والجزاء‏.‏ ولذلك تجدهم لا يبالون، فيأتون المنكَر من القول والعمل‏.‏ هؤلاء هم شر الناس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 47‏]‏

‏{‏وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ‏(‏46‏)‏ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

الحجاب‏:‏ السور الحاجز‏.‏ الاعراف‏:‏ مفردع عُرف، وهو كل شيء مرتفع‏.‏ والسيما والسيمياء‏:‏ العلامة واذا صُرفت ابصارهم‏:‏ حولت تلقاء‏:‏ جهة وهي الجهة المقابلة‏.‏

فيه هاتين الآيتين والآيتين اللاحقتين يجيء ذكر لفرقة لم يتحدث عنها القرآن الكريم باسمِها ومكانها وندائها إى في هذه السورة‏.‏ وهي الفرقة التي سميت «أصحابَ الأَعراف» وسُمّيَت السورة باسمها‏.‏

وذلك وصفٌ لمشهد آخر من مشاهد يوم القيامة يبين أنَّ بين اهل النار واهل الجنة حجاباً، وأن هناك جماعةً على الأعراف ينادون أهلَ الجنة بالتحيّة والتكريم‏.‏

‏{‏يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ‏}‏‏.‏

يعرفون كلا من السعداء والاشقياء بعلامات تدل عليهم من اثر الطاعة والعصيان‏.‏

‏{‏لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ‏}‏ لم يدخلوا الجنةَ بعد، وهم يرجون دخولها‏.‏

‏{‏وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ النار قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين‏}‏‏.‏

وإذا تحوّلت أبصارُهم إلى أصحاب النار، قالوا من هول ما رأوا‏:‏ يا ربّنا، لا تُدخِلنا مع هؤلاء الظالمين‏.‏

ثم يأخذ اصحاب الاعراف في تبكيت أهل النار من جهةِ مان كانوا يجمعون من جموعٍ ليصدُّوا عن سبيل الله، وما كانوا يُبدون من استكبارٍ عن تقبُّل دعوة الحق‏.‏ ولا ينسون توبيهم من جهة موققِهم من التسضعَفِين من المؤمنين في الدنيا مثل بلالٍ وصُهيب وآلِ ياسر وغيرهم، حيث كانوا يستهزئون بهم ويُقسمون الأيمان المغلّظة على انهم لا يمكن ان يكونوا صالحين، فقال تعالى ‏{‏ونادى أَصْحَابُ الأعراف‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 49‏]‏

‏{‏وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏48‏)‏ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

وهذا نداءٌ آخرُ من بعض أصحاب الأعراف لبعض المستبِرين الّين كانوا يعتزون في الدنيا بِغِناهم وقوتهم، ويحتقرون ضعفاءَ المؤمنين لفقرِهم وضعف عصبيتهم‏.‏ لقد كانوا يزعمون ان من أغناه الله وجعلَه قويّاً في الدينا فهو الذي كيون له نعيمُ الآخرة‏.‏ فيقولون لهم الآن‏:‏ ما أفادَكُم حمعُكم الكثيرُ العدد، ولا استكبارُكم على أهل الحق بسبب عصبيتّكم وغناكم‏!‏‏!‏ ها أنتم أذِلاّءُ ترون حالهم وحالكم‏.‏

ثم وجّه إليهم سؤال توبيخٍ وتأنيب‏:‏

‏{‏أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ‏؟‏‏}‏‏.‏

أهولاء الذين حلفتم في الدنيا أن رحمة الله لن تنالهم‏!‏ ها هم قد دخلوا الجنة، وكانوا من الفائزين‏.‏

‏{‏ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ‏}‏‏.‏

قال الله تعالى لأصحاب الاعراف بعد أن طال وقوفُهم، وهم ينظرون إلى الفريقين‏:‏ ادخُلوا الجنةَ لا خوف عليكم من أمر مستقبلكم، ولا أنتم تحزنون عن أمرٍ فاتكم‏.‏

وقد تكلم العلماء في هذا المقام كثيرا، وتعدّدت الآراء فبعضهم قال إن رجال الأعراف ملائكة، وبعضهم قال إنهم الانبياء، او عدول الأُمم الشهداءُ على الناس، او أهل الفترة، او هم الّذين تساوت حسناتُهم وسيئاتهم الى غير لك من الأقوال‏.‏

والذي يجب أن نقفَ عنده هو ان هناك حجاباً بين الجنة، والنار، اللهُ أعلمُ بحقيقته، لأنه في عالم الآخرة‏.‏ والمقصودُ ان ذلك الحجاب يحجِز بين الفريقين، لكنّه لا يمنع من وصول الأصوات وان هناك مكاناً له صفةُ الامتياز والعلوّ، فيه رجال لهم من المكانة ما يجعلهم مشرِفين على هؤلاءِ وهم ينادون كلّ فريقٍ بما يناسبه‏.‏‏.‏ يحيُّون أهل الجنة، ويبِكّتُون أهل النار‏.‏ ثم إن أصحاب هذا الحجاب يدخلون الجنة برحمة من الله وفضله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 51‏]‏

‏{‏وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏50‏)‏ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ‏(‏51‏)‏‏}‏

إفاضة الماء‏:‏ صبه، ثم استعمل في الشيء الكثير ويقال ‏(‏اعطاه غيضاً من فيض‏)‏ أي قليلاً من كثير‏.‏

في هاتين الآيتين مشهد من مشاهد الآخرة بين أصحاب الجنة‏.‏ فبعد ان بين الله تعالى مقال أهل الجنة لأهل النار، ومقال أصحاب الاعراف لأهل الجنة- ذكر كيف يستجدي أهلُ النار، بعد ان لفحتهم حرارةُ النار واشتد بهم الظمأ، من أهل الجنة ان يمنحوهم شيئا مما يتمتعون به من شارب وطعام‏:‏ فينادونهم قائلين‏:‏ أفِيضوا علينا بعض الماء، او أعطونا شيئاً من طيبات المأكل والملبس في الجنة فيجيبهم اهل الجنة‏:‏ اننا لا نستطيع، لان الله تعالى حرّم ماء الجنة ورزقها على الكافرين، كما حرم عليهم دخولها‏.‏

وقد وصف أهلُ الجنة الكافرين بأنهم كانوا السببَ في ذلك الحرمان‏:‏

‏{‏الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا‏}‏ أي شَغَلتْهم بزخارفها، وكان دينهم اتّباعَ الهوى والشهوات‏.‏ لقد ظنّوا أن الحياة الدنيا لا حياةَ غيرها، فعكفوا على الجانب الماديّ المظلم، وحرموا انفسهم من الجانب الروحي المشرق‏.‏ هكذا عاشوا في ظلام المادّة وهم يحسبَون أنهم يُحسِنُون صنعا‏.‏

وكثيراً ما يضيف القرآن الكريم هذا الوصفَ الى الكفار ويعلن انه سبب نكبتم وسوء مصيرهم‏.‏

بعد هذا يسمع أهل لنار الحكم الالهي العادل‏:‏

‏{‏فاليوم نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هذا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ‏}‏‏.‏

فاليوم نعاملهم معاملةَ الشيء المنسِيّ الذي يبحث عنه أحد لقد جَحَدوا بآيات الكون فلم تفتّح لها يعونُهم، ولم تتجه إلهيا قلوبُهم، وأعرضوا عن حكم الله وإرشاده‏.‏ بذلك نسُوا لقاءَ يومهم هذا، فوقعوا فيما وقعوا فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 53‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏52‏)‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

الكتاب‏:‏ القرآن الكريم‏.‏ التفصيل‏:‏ التبين بوضوح ينظرون‏:‏ ينتظرون تأويله‏:‏ عاقبته‏.‏ الحق‏:‏ الأمر الثابت خسروا انفسهم‏:‏ غبنوها وهلكوها‏.‏ ضل عنهم‏:‏ غاب عنهم‏.‏

بعد ان بين الله احوال اهل الجنة وأهل النار وأهل الاعراف وما دار بينهم من حوار، عقَّب بذِكر حال القرآن الكرين، وأنه حجةُ الله على البشر كافة، أزاح عِلل الكفار وأبطل معاذيرهم‏.‏ ثم أردف تعالى بذِكر حال المكذبين وما يكونم منهم يوم القيامة من الندم والحسرة وتمنّي العودة الى الدنيا ليعملوا غير الذي كانوا يعلمون‏.‏ لكن، هيات‏.‏‏.‏ لقد فات الأوان وطُويت حياة العمل‏.‏

لقد جئناهم بكتابٍ كامل البيان هو القرآن فصّلنا آياتِه تفصيلاً على علم منّا، فيه أدلّةُ التوحيد وآياتُ الله في الكون، وما يحتاج اليه المكلَّفون من العلم والعمل وفيه بيان الطريق المستقيم‏.‏

‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ‏}‏ هل ينتظرون إلا عاقبةَ ما وُعدوا به على أَلسنة الرسُل من الثواب والعقاب‏؟‏ ليس أمامهم شيء ينتظرونه إلا وقوعَ تأويله من امر الغيب لاذي يقع في المستقبل، في الدنيا ثم في الآخرة‏.‏

‏{‏يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق‏}‏‏.‏

ويوم يأتي هذا المَآل، وهو يوم القيامة، وينكشف كل شيء- يقول الذين تركوا اوامره وبياناته، معترفين بذنوبهم‏:‏ قد جاءنا الرسُل من عند ربِّنا داعيِين إلى الحق الذي أُرسلوا به، فكفرنا بهم‏.‏

ثم ذكر الله حالهم في ذلك اليوم العصيب، وتلهُّفَهم على النجاة‏.‏ فقال‏:‏

‏{‏فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ‏}‏‏.‏

هنا يتمنَّوْن الخلاصَ بكل وسيلة ممكنة، إما بشفاعةِ الشافعين، وإما بالرجوع الى الدنيا‏.‏ ولك ذلك مستحيل‏.‏

‏{‏قَدْ خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ‏}‏‏.‏

قد غبنوا أنفسَهم بغرورهم في الدنيا وباعو نعيم الآخرة الدائمَ بالخسيس من عَرَضٍ الدينا الزائل، وغاب عنهم ما كانوا يكذِبونه من ادْعاءِ إلةٍ غير الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏54‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏54‏)‏‏}‏

الرب‏:‏ السيد والمالك والمربي‏.‏ الآله‏:‏ هو المعبود بحق‏.‏ والله‏:‏ اسم الخالق الخلق اجمعين‏.‏ السماوات والارض‏:‏ هذا الكون وجميع ما فيه‏.‏ اليوم‏:‏ هو هنا غير أيامنا التي نحسب بها العرش‏:‏ سرير الملك وكرسيه في مجلس الحكم والتدبير استوى على العرش‏:‏ استولى عليه وملكه غشّى الشيُّ‏:‏ غطاه وستره‏.‏ وأَغشاه اياه جعله يغطيه ويستره حثيثا‏:‏ سرعيا مسخَّرات‏:‏ مذلللات خاضعات لتصرفه، منقادات ملشيئته الخلق‏:‏ الايجاد بقدر تبارك الله‏:‏ تعاظمت بركاته‏:‏ والبركة هي الخير الكثير الثابت‏.‏

في الآيات السابقة كان القول في أمر المَعادِ والفئات من الناس في ذلك اليوم، وما يدور من حوار بين لتك الفئات‏.‏ وهنا، يذكر الخَلق والتكوينَ وبيان قدرته تعالى وعظيم مصنوعاته‏.‏

إن ربّكم الذي يدعوكم بواسطة رسُله إلى الحق هو خالقُ الكون ومبدعه‏:‏ خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏.‏ وهي غير أيامنا المعروفة لأن الإنسان عندما يخرج من جو الارض ينعدم لديه الزمان المعروف عندما ويصبح غير محدود، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ‏}‏ هذا مع انه جل جلاله قارد على ان يخلق الكون في لحظة واحدو، ولكنه يقرّب إلى أفهامنا الأمور على قدر مانستطيع فهمها‏.‏

‏{‏ثُمَّ استوى عَلَى العرش‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ثم استولى على السلطان الكامل‏.‏

وهو الذي يجعل الليلَ يستر النهارَ بظلامه، ويعقِّب الليلَ النهارَ سريعاً بانتظام كأنه يطلبه كذلك خلقَ الشمسَ والقمر والنجوم، وهي خاضعة له مسيِّراتٌ بأمره‏.‏ إن له وحده الخلقَ والأمَر المطاع ‏{‏تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين‏}‏‏.‏

وقد تضمنت هذه الآية الكريمة ثلاثة معان‏:‏

اولها‏:‏ أن السماواتِ والأرضَ خلقهما الله تعالى في ستة أيام، لكنها ليست بقدر ما نراه الآن ونعيش فيه، ونعدّه في الحساب، بل المراد يتغر أحوالٍ بين ظَلام وغَبَش، وإصباح وضُحى، وظهيره وأصيل‏.‏

والأحوال الستةُ التي اعتُبرت أياماً كما يذكرها العلماء المختصّون، هي‏:‏ حال الأثير، وهي التي عَبَّر عنها في سورة الدخان بأنها دخان‏.‏ ثم كان من هذا الأثير شموسٌ لا حصر لها، منها شمسُنا ثم الأرض والكواكب وهذا النظام الذي نعيش فيه، وهو ذرّةٌ في هذا الكون الواسع‏.‏

ثانيها‏:‏ أن كلّ ما في الكون هو في سلطان الله وحده، ولا سلطان لأحد سواه ومهما يُؤْتَ الانسان من قوةٍ فلن يستطيع تسيير الكون على ما يريد، وأقصى ما يستطيعه أن ينتفع به، ويعرف بضع ما فيه من أسرار‏.‏

ثالثها‏:‏ أن تعاقب الليل والنهار جاءَ بعد خلْقِ الأرض والسماوات، في احوال نسبية بالنسبة لأصل تكوين الارض والعلاقات بينهما وحركاتهما‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عصام‏:‏ يُغَشّىِ، بالتشديد وقرأ نافع وبان كثير وابو عمرو وعاصم في رواية حفص يُغْشي بضم الياء وسكون الغين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 56‏]‏

‏{‏ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ‏(‏55‏)‏ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏56‏)‏‏}‏

تضرعا‏:‏ تذلّلا، ويقال تضرع له، إذا اظهر الذل في مَعِرض السؤال‏.‏ خفية‏:‏ سرا ضد العلانية‏.‏ لا يجب المعتدي‏:‏ المتجاوزين الحدود، ومعنى لا يحبُّهم أنه لا يجازيهم بالثواب‏.‏

بد ان ذكر سبحانه وتعالى الأدلة على توحيد الربوبية، امر بتوحيد الألوهية أي إفراده تعالى بالعبادة‏.‏

اذا كان الله قد أنشأ الكونَ وحده، فاعدوه متضرّعين مبتهِلين، جهراً وغير جهر‏.‏ والدعاء خفية أفضلُ، لما روى أبو موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفَر فجعل الناس يجِدُّون بالتكبير فقال رسول الله‏:‏ «أيها الناس، اربَعوا على أنفسِكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا‏.‏ إنكم سَميعاً قريباً وهو معكم» رواه مسلم ومعنى اربَعوا على انفسكم‏:‏ ارفقوا بأنفسكم‏.‏

وفي الحديث ايضا «خيرُ الذِكر الخَفِي، وخير الرزق ما يكفي» رواه احمد وابن حبان وابو يعلى عن سعد بن ابي وقّاص رضي الله عنه‏.‏

وفصّل بعض العلماء فقال‏:‏ ان التضرُّع بالجهر المعتدِل يحسُن في حال الخَلوة، والأمنِ من رؤية الناس للداعي وسماعهم لصوته‏.‏ أما الدعاء خفيةً فيحسُن في حال اجتماع الناس في المساجد وغيرها إلى ما ورد في رفعُ الصوت من الجميع كالتلبيةِ في الحج وتكبير العيدين‏.‏

‏{‏إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين‏}‏‏.‏

لا تعتدوا بإشراك غيره معه في الدعاء او بظلم أحدٍ من الناس، فان الله لا يحب ذلك‏.‏

‏{‏وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا‏}‏‏.‏

ولا تفسِدوا في الأرض بإشاعة المعاصي والعدوان، بعد أن أصلحها الله بما خلق فيها من المنافع وما هدى الناس اليه من الاستغلال‏.‏

والإفساد هنا شامل لإفساد العقول والعقائد والآداب الشخصية، والاجتماعية من جميع وجوهها‏.‏

وبد ان بيّن في الآية الأولى كيفيّةَ الدعاءِ أعاد الأمر به في الآية الثانية‏.‏ وذلك إيذاناً بانَّ من لا يعرف أنه محتاج إلى رحمة ربه، ولا يدعو ربه تضرّعاً وخفية- يكون أقربَ الى الإفساد منه الى الاصلاح فقال‏:‏

‏{‏وادعوه خَوْفاً وَطَمَعاً‏}‏ ادعوه سبحانه خائفين من عقابه، طامعين في ثوابه‏.‏ ثم إنه بيّن فائدة الدعاء وعلّل سبب طلبه فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين‏}‏، إن رحمته قريبة من كل محسِن، وهي أكيدةٌ محققة‏.‏ والجزاء من جنس العلم، فمن أحسن في عبادته نال حُسن الثواب، ومن احسن في الدعاء نال خيراً مما طلب وقريب ‏(‏فعيل‏)‏ يوصف بها المذكر والمؤنث‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏57- 58‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏(‏57‏)‏ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

الريح‏:‏ الهواء اذا تحرك‏.‏

قال الراغب‏:‏ كلُّ موضع ذكَر الله فيه إرسال الريح بلفظ الواحد كان للعذاب، وكل موضع ذكَر فيه الريحَ بلفظ الجمع كان للرحمة‏.‏ واظن ان هذا في الغالب، لان الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ‏}‏ وفي سورة يوسف‏:‏ ‏{‏إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ‏}‏ سورة ‏[‏يوسف‏:‏ 94‏]‏‏.‏

بُشرا‏:‏ مبشرة بين يدي رحمته‏:‏ قدّام رحمته اقلّت‏:‏ حملت‏.‏ سحابا ثقالا‏:‏ غيما مثقلا بالمياه البلد‏:‏ يطلق على البلدة، وعلى الموضع لبلدٍ ميت‏:‏ ارض لانبات فيها‏.‏

الثمرات‏:‏ كل ما تحمله الأشجار من جميع الانواع النكد‏:‏ العسِر‏:‏ الشحيح‏:‏ القلي النفع نصرّف الآيات‏:‏ نبدل الاشياء من حال الى حال‏.‏

إن الله سبحانه تعالى وحده هو الذي يُطلِق الرياح مبشَرة برحمته «وهي هنا الأمطار التي تُنبت الزرعَ وتسقي الغرس‏)‏ فتحمل هذه الرياحُ سحاباً محمَّلاً بالماء، يسوقه الله إلى بلد ميتٍ لا نبات فيه فينزل الماء، وبه يُنبت الله أنواعاً من كل الثمرات تدل على قدرة الله وعلمه ورحمته وفضله‏.‏

وبعد ان ذكَّرهم بهد الآيات والنعم قفّى على ذلك ما يزيل إنكارهم للبعث فقال‏:‏ ‏{‏كذلك نُخْرِجُ الموتى‏}‏‏.‏

بمثل ذلك الإحياء للأرضِ بالإنبات نُخرج الموتى فنجعلهم أحياء‏.‏

‏{‏لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏‏.‏

أي تفطنون لهذا الشبه فيزول استبعادُكم للبعث، وبذلك تتذكّرون قدرة الله تؤمنون به‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ‏(‏الرّيح» بالافراد‏.‏ وقرأ ان عامر‏:‏ نُشْراً جمع نشور، وقرا حمزة الكسائي‏:‏ نَشْراً بفتح النون وقرأ عصام كما هو بالمصحف «بُشْراً» وقرأن نافع‏:‏ نُشُراً بضم النون والشين‏.‏

وبعد أن ضرب الله إحياءَ البلاد بالمطر مثلاً لبعث الموتى، ضربا لخلاف نتاج البلاد مَثَلاً لما في البشَر من اختلاف الاستعداد لكّلٍ من الهدى والكفر‏.‏

‏{‏والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ والذي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً‏}‏‏.‏

أما الأرض الجيدة التربة فإن نباتها يخرج نامياً حياً بإذن ربه، ويكون كثير الغلّة طيب الثمرة‏.‏ وأما الأرضُ الخبيثة فإنها لا تُخرج إلا نباتاً قليلاً عديم الفائدة‏.‏

‏{‏كذلك نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ‏}‏‏.‏

في مثل ذلك التصريف البديع نردّد الآياتِ الدالّةَ على القدرة الباهرة، ونكررها لقوم يشكرون نِعمنا، وبذا يستحقُّون المزيد منها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 64‏]‏

‏{‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏59‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏60‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏61‏)‏ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏62‏)‏ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏63‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ‏(‏64‏)‏‏}‏

يوم عظيم‏:‏ يوم القيامة‏.‏ الملأ‏:‏ أشارف القوم، وسَراتهم وكذلك الجماعة، وجمعُه أمْلاء‏.‏ نصح‏:‏ نصح له الوعدَ ونصح له المشورة، ونصحه‏:‏ أرشده الى ما فهي صلاحه‏.‏ ذِكر من ربكم‏:‏ موعضة من ربكم‏.‏ على رجُل منكم‏:‏ على لسان رجل منكم الفلك‏:‏ السفينة عمين‏:‏ جمع عمٍ، وهو الأعمى‏.‏ وقال بعض العلماء إنه خاص بعمى القلب والبصيرة، فيما الأعمى هو أعمى البصر‏.‏

بعد ان ذكر الله تعالى الإنسان ومعادَه، وان مردَّه إليه يوم القيامة- جاء هنا يذكر قصص الأنبياء مع أُممهم، وكيف أعرضتْ عن دعوتهم‏.‏ وذلك حتى يبيّن للرسول الكريم أن إعراضَ المشركين عن قبول الدعوة ليس أمراً جديدا، بل وفي هذا تسليةٌ له صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِه‏}‏‏.‏

أكّد الله تعالى مخاطِباً البشَر جميعا بأنه أرسلَ نوحاً إلى قومه الّذين بُعث فهم، وقال لهم مذكِّرا بأنه منهمك يا قومُ اعبُدوا الله تعالى وحدَه، فليس لكم أيُّ إلهٍ غيره تتوجّهون إليه فيعبادتكم إني أخاف عليكم عذابَ يومٍ شديدٍ هولهُ، وهو يوم الحساب والجزاء‏.‏‏.‏‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ الكسائي‏:‏ «ما لكم من إله غيرِهِ» بكسر الراء والهاء‏.‏ والباقون «غيرُهُ» بضم الراء والهاء‏.‏

‏{‏قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ‏}‏‏.‏

قال اهل الصدارة والزعامة منهم مجيبين تلك الدعوة الى الوحدانية واليوم الآخر‏:‏ يا نوح، إنا لَنراك في ضلالٍ بيّن عن الحقِ، كيف تنهانا عن عبادة آلهتنا من الاصنام‏؟‏

‏{‏قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين‏}‏‏.‏

قال نوح مجيبا لهم، ونافياً ما رموه به‏:‏ لستُ ضالاً كما تزعمون، بل أنا رسولٌ لكنم من رب العالمين، أهدِيكم باتّباعي إلى ما يوصلكم الى السعادة في الدنيا والآخرة‏.‏

‏{‏أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

وإني في هذه الدعوة الى الوحدانية والايمان باليوم الآخر، أُبلِّغكم ما أرسلني به ربّي، وأَمحضُكم النُّصح‏.‏ واعلموا أنني في هذا التبليغ وذلك النصح على علمٍ من الله أوحاهُ إليَّ لا تعلمون منه شيئا‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابو عمرو‏:‏ «أُبِلغُكم» باسكان لاباء والباقون‏:‏ أبَلِّغكم بفتح الباء وتشديد اللام المكسورة‏.‏

‏{‏أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

أترمونَنِي بالضلالة والبُعد عن الحق، ثم تعجَبون من أن يأتيكم ذِكرٌ وموعظة من خالقكم، وعلى لسان رجل منكم جاء يحذّركم عاقبةَ كفركم، رجاء ان تكونوا في رحمة الله في الدنيا والآخرة‏.‏

‏{‏فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ فِي الفلك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

لكنهم مع تلك البينات لم يؤمن اكثرهم، بل كذّبوه، وأصرّوا على كفرهم، فأنجيناهُ هو والّذي أخذّهم معه في الفُلك من الطوقان، واغرقنا من كذّبه‏.‏ لقد عاندوا فكانوا بلك قوماً عُمي القلوب والبصيرة‏.‏ وقد ذُكرت قصة نوح مفصلة في سورة هود‏.‏

روى مسلم وابو داود والنسائي عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «الدينُ النصيحة، قلنا لِمَن يا رسولَ الله‏؟‏ قال‏:‏ لِلّه ولرسوله ولأئمةِ المسلمين، وعامّتِهم»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 72‏]‏

‏{‏وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏65‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏66‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏67‏)‏ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ‏(‏68‏)‏ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏69‏)‏ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏70‏)‏ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ‏(‏71‏)‏ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ‏(‏72‏)‏‏}‏

أخاهم‏:‏ تعني هنا أُخوة الجنس‏:‏ السفاهة‏:‏ خفة العقل‏.‏ بسطة‏:‏ سعة قوة‏.‏ آلاء الله‏:‏ نِعمة احدها أَلا وإلى‏.‏ رجس‏:‏ عذاب الغضب‏:‏ الانتقام‏.‏ المجادلة‏:‏ الممارة والمخاصمة السلطان‏:‏ الحجة والدليل الدابر‏:‏ الآخِر، يعني أهلكناهم جميعا‏.‏

تعرض هذه الآيات قصة هودٍ مع قومه، قومٍ عاد، فقد كانوا عباد أوثانٍ، منازلُهم في الأحقاف- وهو الرمل- بين عُمان وحضرموت‏.‏ وقد رزقهم الله القوة والغنى، فلمّا جاءهم هودٌ بالرسالة من عند ربه ليوحّده، ويكفّوا عن الإفساد في الأرض، أبوا ذلك، وكذّبوه، وأصروا على عبادة اصنامهم‏.‏

ولقد قال لهم‏:‏ يا قوم، اعبُدوا الله وحده، ليس لكم إله غيره، «افلا تتَّقون» أي تخسون الله، علّه ينجيكم من الشَّرِ والعذاب‏.‏

‏{‏قَالَ الملأ الذين كَفَرُوا‏}‏‏.‏

فأجاب ذَوُو الزعامة والصدراة من قومه‏:‏ انا لَنراك في خِفّة م العقل، وضلالٍ عن الحق، كيف لا وقد تركتَ ديننا، ودعوتَنا هذه الدعوة الغريبة‏!‏‏!‏ إنا لَنعتقدُ أنك من الكاذبين‏.‏

قال‏:‏ يا قوم، ليس بي في الدعوة أيُّ قدرس من السفاهة ولست بكاذبٍ، بل أنا رسول اليكم من ربّ العالمين، جئتكم بالهداية التي تخلًّصكم‏.‏

‏{‏أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ‏}‏‏.‏

إنني أنقُل اليكم أوامر ربي ونواهيه، وامحضكم النصح الخالص ولست من الكاذبين‏.‏

‏{‏أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ‏}‏‏.‏

هل أثار عجبكم واستغربتم ان يجيء إليكم تذكير بالحقّ من ربّكم على لسان رجلٍ مكم يخّوفكم عقابَ الله حتى تتركوا ما انتم عليه‏.‏

ثم اشار الى ما أصاب المكذِّبين الذين سبقوهم، وإلى نعم عليهم فقال‏:‏

‏{‏واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَسْطَةً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

اذكُروا فضلَ الله عليكم إذ جعلكم وارثِين للأرض من بعد قوم نوحٍ الذين أهلكهم لتكذيبهم نبيِّهم نوحاً، وزادكم قوةً في الأبدان والسلطان وكل هذه نِعم تقتضي الإيمان، فتذكّروا هذه النِعم، واشكروا الله على ذلك بإخلاص العبادة له وتَرْك الإشراك به‏.‏

لكنهم منع هذه الدعوة بالحسنى قالوا متسغربين‏:‏ أجئتَنا لتدعُونَا إلى عبادة الله وحدَه، وأن نترك ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام‏؟‏

وقد ان استنكروا التوحيد تحدَّره وقالوا‏:‏ ائتِنا بالعذابِ الّذي تهدُّونا به أن كنت صادقاً في قولك ووعيدك‏.‏

فأجابهم هود على تحدّيهم هذا‏:‏

‏{‏قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

انكّم لعنادكم قد حقَّ عليكم عذابُ الله يَنزِل بكم، وغضبُه عليكم‏.‏ تُجادلونني في أصنامٍ سمّيتموها أنتم وآباؤكم‏؟‏ ما جعل الله من حجّة تدلّ على ألوهّيتها، ولا لها قوةٌ خالقةٌ تجعلكم تبعدونها‏.‏ وما دمتم كفرتم ولَجَجْتم هذه اللجاجة فانتظِروا نزول العذاب الذي طلبتموه، ونحن ننتظر معكم‏.‏

فلما جاء أمرُنا ووقع العذابُ أنجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمةٍ منا، فيما استأصلْنا دابر الكافرين الذين جحوا بآياتنا، حتى لم نبقِ منهم أحداً‏.‏

وهكذا طُويت صفحةٌ أُخرى من صحائق المكذبين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏73- 79‏]‏

‏{‏وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏73‏)‏ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ‏(‏74‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ‏(‏75‏)‏ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏76‏)‏ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏77‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏78‏)‏ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ‏(‏79‏)‏‏}‏

ثمود‏:‏ قبيلة من العرب مساكنهم الحِجر في شمال الحجاز جهةَ الشام، وهي «مداينُ صالح» وأُخوة صالح لقومه‏:‏ أُخوتُه في النسب البينة‏:‏ المعجزة الظاهرة الدلالة‏.‏ اذكروا‏:‏ تذكّروا بوأكم في الارض‏:‏ انزلكم فيها‏.‏ الارض‏:‏ هي الحِجر‏:‏ النحت‏:‏ نجر الشيء الصلب والحفر فيه، وكانت بيوتهم منحوتةً في الجبل قطعةً واحدة، ولا يزال بقية منها الى الآن‏.‏ لا تعثوا في الأرض‏:‏ لا تفسدوا‏.‏ استكبروا‏:‏ تكبروا‏.‏ عقروا الناقة‏:‏ نحروها، وعادةُ العرب في نحر الابل ان يقطعوا قوائكها فتقع على الأرض فينحروها عتَوا‏:‏ تمردوا‏.‏ الرجفة‏:‏ الهزة تقع في الارض، والزلزلة‏.‏ في دارهم‏:‏ في بلدهم جاثمين‏:‏ قاعدين بلا حرااك‏.‏

وهذه قصة اخرى من قصص الأنبياء مع أقوامهم، هي قصة صالح عليه السلام ومفادها‏:‏

لقد أرسلنا الى ثمود اخاهم صالحاً الذي يشاركهم في النسَب والوطن، وكانت دعوته كدعوة الرسُل قبله‏.‏ قال لهم‏:‏ أخلِصوا العبادة لله وحده، مالكم إله غيره، قد جاءتكم حجةٌ وبرهان على صدق ما أقول، وحقيقةِ ما أدعو اليه‏.‏ هذه ناقةٌ ذات خَلق خاص، فيها الحُجة وهي ناقةُ الله، فاتركوها تأكل مما تُنبته أرض الله من العشب لا تتعرّضوا لها ولا تنالوها بسوء، فإذا فعلتم أخذكم شديد‏.‏

وفي سورة الشعراء تفسير أوضحُ قَسَم الماءَ الموجود في البلدة بين قومه وبين الناقة «هذه ناقةٌ لها شرْبٌ ولكن شرب يومٍ معلوم»‏.‏

ثم ذكّرهم بنعم الله عليهم، وبوجوب شكرها بعبادته تعالى وحده فقال‏:‏

‏{‏واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ‏}‏‏.‏

تذكّروا أن الله جعلكم وارثين لأرض عادٍ، وأنزلكم منازل طيبةً في أرضهم، فصرتُم تتّخذون من السهول قصوراً فخمة، وتنحتون في الجبال بيوتاً حصينة‏.‏ اذكروا نعم الله تعالى اذا مكّنكم في الأرض ذلك التمكين، ولا تيعيثوا فيها مفسدين‏.‏

وعلى ذلك أجاب أهلُ الصدارة، والزعامة، مخاطبين الذين آمنوا من المستضَعفِين متهكّمين عليهم‏:‏ أتعتقدون أن صالحاً مرسَلٌ من ربّه‏؟‏ فأجابهم اهل الحق‏:‏ نحن مصدّقون بما أُرسِل به صالح‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن عامر‏:‏ «وقال الملأ» بالواو‏.‏

‏{‏قَالَ الذين استكبروا إِنَّابالذي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ‏}‏‏.‏

فردّ عليهم المستكبرون‏:‏ إنا جاحِدون ومنكِرون لِلّذي آمنتم وصدّقتم به من نبوّة صالح هذه‏.‏

ثم لجّ العناد بأولئك المستكبرين، فتحدَّوا الله ورسوله، وذبحوا الناقة وتمرّدوا وتجاوزوا الحقدّ في استكبارهم، وقالوا متحدِّين‏:‏ يا صالح، ائتِنا بالعذاب الذي وعدْتَنا «إن كنتَ من المرسَلين» عندئذ «فاخذتهم» الرّجْفة «أي دمّرتهم الزلازل الشديدة، ومن ثمّ» فأصبَحوا في دراهم جاثِمين «باتوا مصعوقِين جُثثاً هامدة لا حَراك بها، واصبحت ديارهم خاوِية على عروشِها الى الآن‏.‏

روى الامام احمد والحاكم عن جابر قال‏:‏ لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحِجر في غزوة تبوك- قال لا تسألوا الآياتِ، فقد سألها قومُ صالح، فكانت الناقةُ تَرِدُ من هذا الفَجّ، وتصدُرُ من هذا الفَجّ، فَعَتَوا عن أمر ربهم، فعقَروها وكانت تشرب ماءهم يوماً، ويشربون لَبَنَها يوما، فعقروها، فأخذتهم صحيةٌ أحمدَ اللهُ مَن تحت أديمِ السماءِ منهم‏.‏

وكان قومُ صالحٍ عربا، وصالح من أوسطِهم نسبا‏.‏

وفي البخاري أن رسول الله لمّا نزل الحِجْر في غزوة تبوك أمرهم ان لا يشربوا من آبارها ولا يسقوا منها، فقالوا‏:‏ قد عَجَنّا منها واستقينا‏.‏ فأمرهم النبي الكريم ان يطرحوا ذلك العجين، ويُهْرِيقوا ذلك الماء‏.‏ ثم ارتحلَ بهم حتى نزل على البئر التي كانت تشرب منها الناقة‏.‏

‏{‏فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ الناصحين‏}‏‏.‏

قال لهم صالحٌ بعد ان جرى لهم ما جرى، فرآهم صرعى بيوتُهم خاوية، قال‏:‏ يا قوم قد ابلغتُكم أوامر ربي ونواهيَه، ومحضتُ لكم النصح، لكنّكم بإصراركم على الكفر صِرتُم لا تحبّون من ينصحكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 84‏]‏

‏{‏وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ‏(‏80‏)‏ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ‏(‏81‏)‏ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ‏(‏82‏)‏ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ‏(‏83‏)‏ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏84‏)‏‏}‏

لوط‏:‏ هو ابن أخ ابراهيم، هاجر مع عمه من العراق الى فلسطين ثم سكن جنوب الأردن في سدوم وعامورة نم منطقة البحر الميت الآن‏.‏ الفاحشة‏:‏ المقصود بها هنا إتيان الذكور‏.‏ مسرفون‏:‏ متجاوزون حدّ الاعتدال‏.‏ من الغابرين‏:‏ الذاهبين الهالكين‏.‏

جاء ذِكر قصّة لوطٍ بتمامها في عدة سُوَر باختلاف يسير‏.‏ وتتلخّص في أن قوم لوطٍ كانوا أهل شرْ وأذى‏.‏‏.‏‏.‏ كانوا يقطعون الطريق على الناس، قد ذهب الحياء من وجوههم، فلا يستقبحون قبيحا، ولا يرغبون في حسن، كما قال تعالى في سورة العنكبوت‏:‏ ‏{‏وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر‏}‏‏.‏

وكان أشنعَ عملٍ لهم هو ما اشتُهروا به من إييان الذكور، فأرسل الله عليهم العذاب ودمّر قراهم، وطمس معالمها فلم تعد تُعرف إلى الآن‏.‏

‏{‏وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة‏}‏‏.‏

ولقد أرسلنا لوطاً نبيَّ الله إلى قومه، يدعوهم إلى التوحيد وينبّههم إلى وجوب التخلّي عن أقبحِ جريمة يفعلونها، وهي اتصال الرجل منهم بالرجل أو الغلام في مباشرة جنسية شاذة‏.‏ وفي ذلك خروج على الفطرة وقد قال لهم‏:‏ يا قوم، إنكم قد ابتدعتم تلك الفاحشة بشذوذكم، وفي هذا إسرافٌ ليس له مثيل في تجاوز حدود الاعتدال‏.‏

‏{‏وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ‏}‏‏.‏

فكان جواب قوط لوطٍ على هذا الاستنكار لأقبحِ الافعال ان قالوا‏:‏ أخرجوا لوطاً هذا مع آله وأتباعه من بلدكم‏.‏ إنهم يتعفّفون عن مشاركتنا في ما نفعل‏.‏

وهكذا يتجلّى الانحرافُ في جوابهم‏:‏ يخرجون لوطاً وأتباعه لأنهم مستقيمون‏!‏ أما الفاسقون الفاسدون، فقد بلغ من قِحَتِهِم وفُجورهم أن يفعلوا الفاحشة ويفخَروا بها، بل أن يحتقروا من يتنزه عنها‏.‏

وتأتي الخاتمة سريعا بلا تطويل ولا تفصيل‏:‏

‏{‏فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين‏}‏‏.‏

ولقد حقّت عليهم كلمةً العذاب، فأنجينا لوطاً وأهلَه، الا امرأته لقد رفضتْ ان تؤمن به، فكانت من الهالكين‏.‏ ثم أمطرنا عليهم حجارةً مدمّرة، ومادَت الأرض بالزلازل من تحتِهم، فانظُر أيها المعتبِر كيف كانت عاقبة المجرمين‏.‏

قال الامام ابنُ القيّم في زاد المعاد‏:‏ هذا لم تكن تعرفُه العرب، ولم يُرفع إليه حديث صحيح في ذلك‏.‏ لكنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم انه قال‏:‏ «اقتُلوا الفاعل والمفعول به»‏.‏

رواه اهل السسنن الأربعة بإسناد صحيح وقال الترمذي‏:‏ حسنٌ صحيح، وحكم به أبو بكر الصدّيق، وكتب به إلى خالد بن الوليد، بعد مشاورة الصحابة وكان عليُّ كرّم الله وجهه أشدَّهم في ذلك‏.‏

وقد طعن ابن حَجَر في هذه الأحاديث وقال‏:‏ إنها ضعيفة‏.‏ ولذلك يجب على الحاكم ان يتحرّى جيدا، فإن عقوبة القتلِ أعظمُ الحدود، فلا يؤخَذُ فيها إلا بالصحيح القاطع من كتابٍ او سُنّة متواتِرةٍ او إجماع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏85- 87‏]‏

‏{‏وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏85‏)‏ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏86‏)‏ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ‏(‏87‏)‏‏}‏

لا تخبسوا الناس‏:‏ لا تنقصوهم حقوقهم‏.‏ ولا تفسدوا‏:‏ الافساد شامل لجميع الجرائم، والاصلاح‏:‏ ضده بكل صراط‏:‏ بكل طريق توعِدون‏:‏ تخوفون وتهددون‏.‏ تصدون‏:‏ تمنعون‏.‏

شُعيب نبيُّ من أنبياء العرب، واسمه في التوراة رعوئيل، ومعناه‏:‏ صديقُ الله وقد ذُكر شعيب في القرآن الكريم عشر مرات‏:‏ في سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الشعراء، وسورة العنكبوت‏.‏ أما قومُه فهم شعب مَدْيَن بنِ إبراهيم عليه السلام، وكانت منازلهم في شمال الحجاز على الساحل‏.‏

وكان اهل مَدْيَن في عيشٍ رغيد لأنهم أهلُ تجارة‏.‏ وكانوا يعبدون غير الله تعالى، ويفعلون الشرور، من ذلك أنهم كانوا يطفّفون المكيالَ والميزان، ويماكسون الناس في سِلعهم ليشتروها بأبخس الأسعار وكان شعيب ينهاهم عن كل ذلك ويحذّرهم بأسَ الله تعالى، فأنكروا عليه ما جاء به ولم يستمعوا اليه‏.‏

ويسمّيه المفسرون خطيبَ الأنبياء، لحُسن مراجعته لِقومه، وبراعته في اقامة الحجة عليهم‏.‏ ومع ذلك فقد مضَوا في غَيّهم، وتمادَوا في صدّ الناس عنه‏.‏

‏{‏وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ‏}‏‏.‏

ولقد أَرسلْنا إلى مَدْيَنَ أخاهم شعيباً قال‏:‏ يا قوم، اعبُدوا الله وحده، قد جاءكم الحججُ المبينةُ لحقِّ من ركمن ممثْبِتَةً رسالتي إليكم‏.‏ ‏(‏ولم تذكر الآية ما هي معجزته ولم يأتِ لها ذِكر في بقية السُوَر التي ذُكرت فيها قصةُ شعيب‏)‏ غير أنه كانت هناك بينّة جاءهم بها، ودعاهم الى توحيد الله كما أمَرَهم بالإصلاح بينهم بالمعاملة العادلة‏.‏

‏{‏فَأَوْفُواْ الكيل والميزان وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ‏}‏‏.‏

لقد أمرهم بإيفاء الكيلِ والميزان إذا باعوا، ونهاهم عن ان يُنقِصوا حقوق الناس اذا اشتروا منهم‏.‏ وطلب إليهم ألا يفسِدوا في الأرض الصالحة، كإفساد الزع وقطْع الأرحام والمودّة‏.‏

‏{‏وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله‏}‏‏.‏

لا تعرضوا كل طريقٍ من طرق الحق والهداية، تهدّون سالكه، وتمنعون طالبي الخير من الوصول‏.‏

‏{‏وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً‏}‏ تريدون سلوك الطريق المعوَجّ‏.‏ تذكَّروا اذ كنتم قليلا فكثّركم الله بما بارك في نَسِلكم، واشكُروا له ذلك بعبادته وحدَه، واعتبِروا بعاقبة المفسِدين قبلكم، وإلا أصابكم مثلُ ما أصابهم‏.‏

‏{‏وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مَّنكُمْ آمَنُواْ‏}‏‏.‏

واذا كانت طائفة منكم قد آمنت بالحق الذي ارسلتُ به فيما لم تؤمن طائفة ثانية فانتظروا حتى يحكُم الله بين الفريقين‏.‏ إنه خير من يفصل، وأَعدلُ من يقضي وهو خير الحاكمين‏.‏

انتهى الجزء الثامن، نسأل الله تعالى ان يوفقنا إلى ما فيه رضاه، وإلى أن يُتِمّ هذا التفسير على أحسن حال، الهَّم اجعلنا ممن يستمعونَ القولَ فيتبعون أحسنَه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 89‏]‏

‏{‏قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ‏(‏88‏)‏ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ‏(‏89‏)‏‏}‏

افتتح بيننا‏:‏ احكم بيننا الفاتحين‏:‏ الحاكمين تورد هذه الآيات تتمةَ قصص شُيعب ففيها جوابُ الملأ الزعماءِ من قومِه عما أمرهم به‏:‏ من عبادة الله وحده، وإيفاء الكيل والميزان، وعدم الفساد في الأرض‏.‏

وقد تَوَلَّى الردَّ عليه اشرافُ قومه وكبراؤهم كما هو الشأن في بحث كبريات المسائل ومهمّات الأمور‏.‏

قال أولئك الاشراف‏:‏ قَسماً لَنُخرجّنك يا شعيب أنت ومن آمن معكم من بلادنا، لو ترجعُنَّ إلى ديننا الّذي هجرتموه‏.‏ فردّ عليهم شعيب قلائلا‏:‏ أنصيرُ في ملّتكم ونحن كارهون لها لفسادها‏؟‏‏.‏

ثم بالغَ في قطع طمعهم من العود الى ملّتهم كما يطلبون، فقال‏:‏ إننا نكون كاذبين مفترين على الله إنْ عُدنا الى ملتكم بعد أن هدانا الله‏.‏ ولا ينبغي لنا ان نفعل ذلك بمحض اخيارنا ورغبتنا، الا أن يشاء الله ويههات ذلك‏!‏ لأنه ربُّنا، عليم بمصلحتنا وخيرنا، ولن يشاء رجوعنا إلى باطلكم‏.‏ لقد وَسِع كل شيء عِلما، ومن عِلمه أنَّهُ يهدينا الى ما يحفظ علينا إيماننا‏.‏ لقد سلّمنا أمرنا اليه، وتوكّلنا عليه، وهو الذي سيحكم بيننا وبين قومنا وهو خير الحاكمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 93‏]‏

‏{‏وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ‏(‏90‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏91‏)‏ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ‏(‏92‏)‏ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ‏(‏93‏)‏‏}‏

الرجفة‏:‏ الحركة والاضطراب، والمراد بها الزلزلة غَنِي بالمكان‏:‏ نزل به واقم فيه الأسى‏:‏ شدة الحزن‏.‏

بعد أن يئس القوم من مطاوعة شعيب وأصحابه لهم، وعلموا انهم ثابتون على دينهم، خافوا ان يكثُر المهتدون بظهرو قوة شعيبٍ وثباته على دعوته، فاتّجه زعماؤهم الى أبتاعهم يهددونهم قائلين‏:‏

‏{‏وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ‏}‏‏.‏

وقال زعماء قوم شعيب الكافرون‏:‏ واللّهِ إن طاوعتُم شعيباً في قَبول دعوته وآمنتم به، لتخسَروا شرفَكم وثروتكم، كما تكونون قد تخلّيتهم عن ملّتكم التي مات عليها آباؤكم من قبل‏.‏

بعد هذا ذكرا لله تعالى عاقبةَ أمرِهم وما أصابهم من نكالٍ فقال‏:‏

‏{‏فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ‏}‏ أي دهمْتُهم الزلزلة فأهلكمتهم في ديارهم وظلّموا منكّبين على وجوههم لا حياة فيهم‏.‏

‏{‏الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الذين كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ الخاسرين‏}‏‏.‏

هذا شأن الله مع الذين كذّبوا شعيبا، وهدّدوه وأنذروه بالإخلاج من قريتهم‏.‏‏.‏‏.‏ لقد هلكوا وهلكت قريتهم فحُرِموها كأن لم يعيشوا فيها بحال، وهكذا فان الذين كذّبوا شعيبا وزعموا ان من يتّبعه هو الخاسر قد باتوا هم الخاسرين‏.‏

فلما رأى شيعب ما نزل بهم نم الهلاك المدمِّر، أعرض عنهم، وقال مبرّئاً نفسه من التقصير معهم‏:‏ لقد أبلغتُكم رسالات ربي، وأديتُ إليكم ما بعثني به ربي، كما بالغتُ في إسداءِ النصح لكم، فكيف أحزنُ على قومٍ كافرين‏؟‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 95‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ‏(‏94‏)‏ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏95‏)‏‏}‏

القرية‏:‏ المدينة‏.‏ البأساء‏:‏ الشدة والمشقة كالحرب والجذب وشدة الفقر‏.‏ الضراء‏:‏ ما يضر الانسان في بدنه او نفسه‏.‏ التضرع‏:‏ اظهار الخضوع والضعف‏.‏ عَفَواْ‏:‏ كثروا ونموا‏.‏ بغتة‏:‏ فجأة‏.‏

اشار الله تعالى هنا الى سُنته في الأمم التي تكذّب رسلَها، فهو يُنزل بها البؤسَ وشظَف العيش وسوء الحال في دنياهم ليتضرّعوا الى ربهم ويُنيبوا إليه بالتوبة‏.‏ ثم ذكرَ أنه بدّل الرخاء بالبؤس ليعتبروا ويشكرون، لكنهم لم يفعلوا، فاخذهم أخذَ عزيزٍ مقتدر‏.‏

وما بعثنا نبيّاً من الأنبياء في مدينةٍ من المدن، يدعو أهلَها الى الدين القويم، ثم أعرضوا عن قبول تلك الدعوة- إلا أصبناهم بالفقر والمرض، كي يتذللوا ويخضعوا ويبتهلوا إلى الله راجين كشفَ ما نزل بهم‏.‏

ثم إنهم لمّا لمْ يفعلوا ذلك، بل تابعوا كفرهم وعنادهم، امتحنهم الله بالعافية مكان البلاء، فوهبهم رخاءً وسعة وصحةً وعافية، حتى كثُروا ونَموا في أموالهم وأنفسهم، وقالوا جهلاً منهم‏:‏ إن ما أصاب آباءنا من المحَن وبالبلاء كان شأنَ الدهر، يداول الضرّاءَ والسّراءَ بين الناس‏.‏ لم ينتبهوا أنَّ ذلك كان جزاءَ كفهرم فيرتدعوا، فكانت عاقبة ذلك أن أصابهم اللهُ بالعذاب المدمّر فجأة وهم غافلون عما سيحلُّ بهم‏.‏

فلنعتبر نحن المسلمين، فإننا قد تركنا ديننا والعمل به، وأهملنا قرآننا وتعاليمه فسلّط الله علينا شرّ خلقه وأخسَّ الناس، يسلبوننا مقدّساتِنا وأرضينا، ويُذلّوننا شرَّإذلال‏.‏ كل هذا ونحن لا ينقصُنا المال ولا الرجال، ولكن ينقصُنا الإيمان بالله والحزم والثقة بأنفسنا، وهدايةُ الحكّام فينا كي يتبعدوا عمّا هم فيه من انصراف عن الله وتناحر بينهم وفرقة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏96- 100‏]‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏96‏)‏ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ‏(‏97‏)‏ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ‏(‏98‏)‏ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏99‏)‏ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

بركات السماء‏:‏ تشمل الروحية والمادية، وبركات الارض الخصب، وما فيها من معادن وخيرات‏.‏ البأس‏:‏ العذاب بياتا‏:‏ ليلا‏.‏ الضحى‏:‏ اولها النهار يلعبون‏:‏ يلهون من فرط غفلتهم المكر‏:‏ التدبير الخفي، والخداع وان تَصْرِف غيرك عن مقصده بحيلة‏.‏ ومكرُ الله مجازاتُهُ على المكر‏.‏ هداه السبيل‏:‏ دله عليه‏.‏

بعد ان بين الله أخْذّه لأهل القرى الذين كذّبوا رسُلهم- ذكر هنا لأهل مكةَ ما يكون من إغداقِ النعم لو آمنوا بالرسول واهتَدوا بهدْية، واعتبروا بسنّة الله في الأُمم من قبلهم‏.‏

لو أن أهل تلك القرى آمنوا بما جاء به انبياؤهم، وعملوا بوصاياهم، وابتعدوا عما حرمه الله- لفتحْنا عليهم أنواعاً من بركات السماء والارض نِعماً لا تحصى، كالمطر والنبات والثمار والمعادن والأرزاق، والسلامة من الآفات‏.‏‏.‏ لكنهم جحدوا وكذبوا أولئك الرسل، فأنزلنا بهم عقوبتنا، لِما كانوا يقترفونه من الشرك والمعاصي‏.‏ ثم عجب الله من حالهم وغفلتهم فقال‏:‏

‏{‏أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

هل جهِلَ أهل هذه القرى فاطمأنّوا الى أنه لن يأتيَهم عذابنا وقتَ بياتِهم‏!‏ وفي هذا تحذير للناس أجمعين‏.‏

أو أن ينزل بهم العذاب في النهار وقتَ الضحى وهم منهمكون في أعمالهم العابثة حتى كأنها لَعِب‏!‏‏!‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر‏:‏ «أوْ أمن» بتسكين الواو‏.‏ والباقون اَوَ أمن بفتح الواو‏.‏

‏{‏أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون‏}‏‏.‏

هل جَهِلوا سُنّة الله في المكذّبين، فأمِنوا عذابه ليلا او نهارا‏؟‏ إنه لا يحهل تدبير الله وقُدرتَه في عقوبة المكذّبين برسُله الا الذين خسروا أنفسَهم غباءً، فلم يفقهوا ما فيه سعادتهم‏.‏

فلا يجوز لأحد ان يأمن مكر الله ويظلّ مسترسلاً في المعاصي، اتّكالاً على عفوه ومغفرته ورحمته‏.‏ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بقوله‏:‏ «اللهم يا مقلّبَ القلوب والأبصار ثبِّتْ قلبي عل دينك» وقد بين لنا الله تعالى ان الراسخين في العلم يدعونه فيقولون‏:‏ «ربّنا لا تُزِغْ قلوبنا بعد إذا هديتَنا وهبْ لنا من لدُنْك رحمة»‏.‏

وكما ان الآمن من مر الله خُسران ومفسدة، فاليأس من رحمة الله كذلك لذا وجب ان يظل المؤمن بين الخوف والرجاء دائما‏.‏

‏{‏أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ‏}‏‏.‏

هذا تحذير للسامعين، وخطابٌ لجميع الناس حتى يتّعضوا ويستقيموا‏.‏ ومعناه‏:‏ أغابَتْ عن الذين يخلْفونَ مَن قَبلهم من الأمم سُنّةُ الله فيمن قبلهم‏!‏‏!‏ وإن شأننا فيهم كشأنِنا فيمن سبقوهم، لو نشاء ان نعذّبهم أصبنْاهم كما أصبنْا أمثالَهم‏.‏

ولا يرد الله سبحانُه وتعالى للناس بهذا التحذير الشديد ان يعيشوا خائفين قلقين، كلا، بل يلطب منهم اليقظة ومراقبة النفس والعظة من تجارب البشر‏.‏

هكذا ينبغي ان نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس الله الذي لا يُفع، ومن مكر الله الذي لايُدرك‏.‏ إنه لا يدعو الى القلق وانما الى اليقظة، ولا يؤدي الى الفزع بل الى الحساسية، وهو لايعطل الحياة وإنما يحرسها من الاستهتار والطغيان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 102‏]‏

‏{‏تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ‏(‏101‏)‏ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ‏(‏102‏)‏‏}‏

يطبع الله على قلوب الكافرين‏:‏ يختمها ويقفلها‏.‏ العهد‏:‏ الوصية والميثاق‏.‏ الفسوق‏:‏ الخروج عن كل عهد، وعصيان اوامر الله‏.‏

هذا الخطاب موجه الى النبي صلى الله عليه وسلم تسليةً له على الصبر في دعوته، وذلك عن طريق تذكيره بما في قصص أولئك الرسُل مع اقوامهم من العِبر والمواعظ، وبيان ان ما يلاقيه هو مِنْ قومه من ضرورة العناد والإيذاء ليس بِدعاً‏.‏

تلك القرى التي بعدُ عهدها وجَهِل قومُك حقيقة حالها، نقصّ عليك الآن بعض أخبارها‏.‏ لقد جاء أهلَ تلك القرى رسلُهم بالبينات الدالة على صدق دعوتهم، فلم يؤمنوا بها‏.‏‏.‏‏.‏

‏{‏يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين‏}‏‏.‏

هكذا جعل الله حجابا على قلوب الكافرين وعقولهم فيخفَى عليهم طريق الحق وينأون عنه‏.‏

إننا لم نجد لأكثرِ أولئك الاقوام وَفَاءً بِمَا أوصيناهم بهمن الايمان، على لسان الرسل، بل وجدنا اكثرهم خارجين على كل عهد، فطريّ وشرعي، فهم ناكثون غادرون‏.‏

وفي التعبير ب «اكثرهم» إيماءٌ الى ان بعضهم قد آمن‏.‏ وهذا من دأب القرآن الكريم في تحقيق الحقائق على وجه الصدق، فهو لا يسلب احداً حقه، ولا يعطيه حق غيره‏.‏